ابن قيم الجوزية

216

الروح

التي تعذب وتنعم وتسعد وتشقى وتحبس وترسل وتصح وتسقم وتلد وتألم وتخاف وتحزن وما ذالا إلا سمات مخلوق مبدع ، وصفات منشأ مخترع . وأحكام مربوب مدبر مصرف تحت مشيئة خالقه وفاطره وبارئه ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول عند نومه : « اللهم أنت خلقت نفسي وأنت تتوفاها ، لك مماتها ومحياها فإن أمسكتها فارحمها ، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين » وهو تعالى بارئ النفوس كما هو بارئ الأجساد قال تعالى : ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ « 1 » قيل من قبل أن نبرأ المصيبة ، وقيل من قبل أن نبرأ الأرض وقيل من قبل أن نبرأ الأنفس وهو أولى لأنه أقرب مذكور إلى الضمير : ولو قيل يرجع إلى الثلاثة أي من قبل أن نبرأ المصيبة والأرض والأنفس لكان أوجه . وكيف تكون قديمة مستغنية عن خالف مبدع لها وشواهد الفقر والحاجة والضرورة أعدل شواهد على أنها مخلوقة مربوبة مصنوعة وأن وجود ذاتها وصفاتها وأفعالها من ربها وفاطرها ليس لها من نفسها إلا العدم فهي لا تملك لنفسها ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا لا تستطيع أن تأخذ من الخير إلا ما أعطاها وتنقي من الشر إلا ما وقاها ، ولا تهتدي إلى شيء من مصالح دنياها وأخراها إلا بهداه ، وتصلح إلا بتوفيقه لها وإصلاحه إياها ، ولا تعلم إلا ما علمها . ولا تتعدى ما ألهمها ، فهو الذي خلقها فسواها وألهمها فجورها وتقواها . فأخبر سبحانه أنه خالقها ومبدعها وخالق أفعالها من الفجور والتقوى خلافا لمن يقول أنها ليست مخلوقة ولمن يقول أنها وإن كانت مخلوقة فليس خالقا لأفعالها بل هي التي تخلق أفعالها وهما قولان لأهل الضلال والغي . ومعلوم أنها لو كانت قديمة غير مخلوقة لكانت مستغنية بنفسها في وجودها وصفاتها وكمالها وهذا من أبطل الباطل . فإن فقرها إليه سبحانه في وجودها وصلاحها هو من لوازم ذاتها وليس معللا بعلة ، فإنه أمر ذاتي لها كما أن غنى ربها وفاطرها ومبدعها من لوازم ذاته ليس معللا بعلة ، فهو سبحانه الغني بالذات ، وهي الفقيرة إليه بالذات ، فلا يشاركه سبحانه في غناه مشارك ، كما لا يشاركه في قدمه

--> ( 1 ) سورة الحديد ، الآية 22 .